ابن قيم الجوزية
58
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
الآيات التي تنفى عن اللّه ما لا يليق به من اتخاذ الصاحبة والولد والشريك ، لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد ، الغني الذي لا يحتاج إلى أحد من خلقه بوجه من الوجوه ، وكل الخلق مملوكون له وفقراء إليه . وكذلك يجب أن ينفى عنه أن يكون أحد مكافئا ، أي مساويا له في كماله وفيما يجب له من حقوق ، كما قال تعالى : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 22 ] فليس لأحد صفات تقارب صفات اللّه سبحانه ولا افعال تشبه أفعاله ، بل ليس لأحد من خلقه استقلال بفعل شيء أصلا حتى يعينه اللّه عليه . ولهذا كانت أفعال العباد تابعة لمشيئة اللّه تعالى مع وقوعها منهم بقدرهم وارادتهم ، فان خالق القدرة والإرادة خالق ما يكون بهما كما قال تعالى لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ التكوير : 28 ، 29 ] . ومما ينفى عن اللّه وينزه عنه أيضا أنه ليس لنا ولى سواه يلي أمورنا ، فهو وحده المتولي لأمور خلقه في الخلق والرزق والتدبير وأنواع التربية العامة والخاصة ، وولايته تعالى نوعان : ولاية عامة شاملة للبر والفاجر ، وهي ولاية الخلق والتدبير ، كما قال تعالى ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ [ السجدة : 4 ] فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ [ الشورى : 44 ] . وولاية خاصة ، وهي ولايته تعالى للمؤمنين المتقين يخرجهم بها من ظلمات الكفر والجهل والمعصية إلى نور العلم والايمان والطاعة ، قال تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] وقال أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ يونس : 64 ] . وكذلك لم يتخذ سبحانه من خلقه وليا من الذل لكمال اقتداره وغناه وعظمته وانما يتخذ منهم أولياء رحمة بهم واحسانا إليهم ، يحبهم ويحبونه .